مؤيد الدين الجندي
85
شرح فصوص الحكم
وصل : في تتمّة هذا الأصل اعلم : أنّ الحقّ تعالى - و « 1 » أولياؤه الذين آتاهم الله علوما وكتبا - أمرهم بتصنيفها وأملى على قلوبهم بألسنة الإلهام والإعلام مسائل تأليفها ، أجرى الله - سبحانه - سنّته وسنّتهم في كتبهم ، أن يحمدوا الله وينعتوه بالمحامد والأوصاف الكمالية الخصيصة بعلوم ذلك الكتاب ، والمطابقة لمضمون ما فيه من فصل الخطاب لا بغيرها من المحامد بما لا يناسب حال المصنّف الحامد فيما هو بصدده من الوارد والشاهد . وذلك مثل ما نعت الله نفسه في مقام تعريف ربوبيّته العامّة المطلقة بربّ العالمين ، فقال : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ رَبِّ الْعالَمِينَ ) * . ولمّا كان في مقام بيان إيجاد الذوات والصفات العلوية السمائية « 2 » والسفلية الأرضيّة ، قيّد حمد الله بنعت « الخلق » و « الجعل » لكون الخلق إيجاد الذوات ، والجعل إيجاد الصفات ، فقال : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ) * . « 3 » ولمّا كان في بيان أنّ القرآن منزل على محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - من الله ، قال : * ( الْحَمْدُ لِلَّه ِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِه ِ الْكِتابَ ) * « 4 » . وكذلك المحقّقون من مشايخنا يتّخذون هذا الأصل في تصانيفهم ويتأسّون بسنّة الله في كتبه المنزلة على الرسل وعلى الخصوص ، شيخنا وإمامنا مصنّف الفصوص ، وأولاده الإلهيون من ورثة ختمية الخصوص ، ولهذا وصف الله تعالى بعد الحمد ، بأنّه منزل الحكم لكونه - رضي الله عنه - بصدد بيان الحكم المنزلة على كمّل الأنبياء لأنّه - تعالى - أنزل الحكم من إطلاقها الإلهي من الحضرات العالية إلى قلوب الأنبياء والأولياء وأرواحهم وأسرارهم ، فتعيّنت الحكم في مظاهرها وتبيّنت مقيّدة بخصوص مجاليها ومنازلها .
--> « 1 » الواو حالية والجملة معترضة ولو كانت عاطفة ( وأولياءه ) لقال : أمروهم وأملوا . « 2 » ف : السماوية . « 3 » الأنعام ( 6 ) الآية 1 . « 4 » الكهف ( 18 ) الآية 1 .